محمد جمال الدين القاسمي

15

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

عنه مطلقا . ولا يكون ذلك تخصيصا للإذن بتلك الأشياء المذكورة . بل كان ذلك إذنا في المذكور وغيره . فكذا هنا . وأيضا ، فذكر جميع الأعداد متعذر . فإذا ذكر بعض الأعداد بعد قوله : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ، كان ذلك تنبيها على حصول الإذن في جميع الأعداد . الثالث - أن الواو للجمع المطلق . فقوله : مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ، يفيد حل هذا المجموع . وهو يفيد تسعة . بل الحق أنه يفيد ثمانية عشر . لأن قوله : مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط ، بل عن اثنين اثنين . وكذلك القول في البقية . وأما الخبر فمن وجهين : الأول - أنه ثبت بالتواتر أنه صلى اللّه عليه وسلم مات عن تسع . ثم إن اللّه تعالى أمرنا باتباعه فقال : فاتّبعوه ، وأقل مراتب الأمر الإباحة . الثاني - أن سنة الرجل طريقته . وكان التزوج بالأكثر من الأربع طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام . فكان ذلك سنة له . ثم إنه عليه السلام قال « 1 » : فمن رغب عن سنتي فليس مني . فظاهر هذا الحديث يقتضي توجه اللوم على من ترك التزوج بأكثر من الأربعة . فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز . واعلم أن معتمد الفقهاء في إثبات الحصر على أمرين : الأول - الخبر . وهو ما روي أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة ، فقال الرسول صلى اللّه عليه وسلم : أمسك أربعا وفارق باقيهن . وروي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة ، فقال عليه الصلاة والسلام : أمسك أربعا وفارق واحدة . واعلم أن هذا الطريق ضعيف لوجهين : الأول - أن القرآن لما دل على عدم الحصر بهذا الخبر كان ذلك نسخا للقرآن بخبر الواحد وأنه غير جائز . والثاني - وهو أن الخبر واقعة حال . فلعله عليه الصلاة والسلام إنما أمره بإمساك أربع ومفارقة البواقي لأن الجمع بين الأربعة وبين البواقي غير جائز ، إما بسبب النسب أو بسبب

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : النكاح ، 1 - باب الترغيب في النكاح ، حديث 2099 ونصه : عن أنس بن مالك قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يسألون عن عبادة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . فلما أخبروا ، كأنهم تقالّوها . فقالوا : وأين نحن من النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا . وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر . وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا . فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال « أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له . لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني » .